ابن عربي

15

تفسير ابن عربي

أَ لَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ عَلَى الْكافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا قد مرّ في باب تنزّل الملائكة أن النفس الخيّرة تستمد من الملكوت والملائكة السماوية لاتصالها بهم في الصفاء والتجرّد والنورية ، والنفوس الشريرة تستمد من النفوس المظلمة الأرضية لمناسبتها إياهم ومجانستها لهم في الظلمة والكدورة والخبث ، فتعجب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من شدّة ظلمتهم وتماديهم في الغواية والاحتجاب ، حيث تنزّل عليهم الشياطين دائما فتؤزهم أي : تحرّضهم وتخذلهم بإلقاء الوساوس والهواجس من أنواع الشرّ على التوالي إِنَّما نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا أي : أنفاسهم المقرّبة لهم إلى المصير إلى وبال كفرهم وأعمالهم وعذاب هيئاتهم وعقائدهم ، فإن لكل أجلا معينا سيصير إليه عن قريب . [ 85 ] [ سورة مريم ( 19 ) : آية 85 ] يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً ( 85 ) يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً إنما ذكر اسم الرحمن لعموم رحمته بحسب مراتب تقواهم كما ذكر في قوله : مَنْ كانَ تَقِيًّا « 1 » ، ولهذا لما سمعها بعض العارفين قال : ومن كان مع الرحمن فإلى من يحشر ؟ فأجابه بعضهم بقوله : من اسم الرحمن إلى اسم الرحمن ومن اسم القهّار إلى اسم اللطيف . فإن المتّقي عن المعاصي والرذائل وصفات النفس الذي هو في أول درجة التقوى قد يحشر إلى الرحمن في جنة الأفعال ثم الصفات ثم بعد الوصول إلى اللّه في جنة الصفات له سير في اللّه بحسب تجليات الصفات ، وإذا انتهى السير إلى الذات يكون السير سيرا للّه وفدا مكرمين . [ 86 - 92 ] [ سورة مريم ( 19 ) : الآيات 86 إلى 92 ] وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلى جَهَنَّمَ وِرْداً ( 86 ) لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ إِلاَّ مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً ( 87 ) وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً ( 88 ) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا ( 89 ) تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا ( 90 ) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً ( 91 ) وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً ( 92 ) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ لأعمالهم الخبيثة إِلى جَهَنَّمَ الطبيعة وِرْداً كأنهم إبل عطاش فيوردهم النار لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً هذا العهد هو ما عاهد اللّه أهل الإيمان من الوفاء بالعهد السابق بالتوبة والإنابة إليه في الصفاء الثاني بعد الصفاء الأول ، وذلك الانسلاخ عن حجب صفات النفس والاتصاف بصفات الرحمن والاتصال بعالم القدس الذي هو حضرة الصفات ولهذا ذكر اسم الرحمن المعطي لأصول النعم وجلائلها المشتمل على سائر الصفات اللطيفة ، أي : لا يملك أحد أن يشفع له بالأمداد الملكوتية والأنوار القدسية إلا من استعدّ لقبول الرحمة الرحمانية واتصل بالجناب الإلهي بالعهد

--> ( 1 ) سورة مريم ، الآية : 63 .